محمد جمال الدين القاسمي
134
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فهذه الآية من العام المخصوص . قال الزمخشريّ : فإن قلت : فما معنى الإخبار عنهن بالتربّص ؟ قلت : هو خبر في معنى الأمر ، وأصل الكلام ( وليتربص المطلقات ) ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله . فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص . فهو يخبر عنه موجودا . ونحوه قولهم في الدعاء : ( رحمك اللّه ) أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة . كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها . وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد . ولو قيل ( ويتربص المطلقات ) لم يكن بتلك الوكادة . . فإن قلت : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر ، وما معنى ذكر الأنفس ؟ قلت : في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث . لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن . وذلك أنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال . فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص . و ( القرء ) : من الأضداد . يطلق على الحيض والطهر . نص عليه من أئمة اللغة : أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم . والبحث في ترجيح أحدهما طويل الذيل ، استوفاه الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) فانظره . ولمن نظر إلى موضوعه اللغويّ أن يقول : تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض . فأيهما اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به . واللّه أعلم . وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ، - أي : المطلقات - أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ ، من الحيض أو الولد ، استعجالا في العدة أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ ، أي : إن جرين على مقتضى الإيمان به ، المخوف من ذاته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، المخوف من جزائه . ودلّ هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ . لأنه أمر لا يعلم إلّا من جهتهن . ويتعذر إقامة البينة على ذلك . فرد الأمر إليهن ، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحقّ . وهذه الآية دالة على أنّ كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه ، فأمره عند اللّه شديد وَبُعُولَتُهُنَّ - أي : أزواجهن - أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ، أي : برجعتهنّ ، والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها فِي ذلِكَ ، أي : في زمان التربص . وهي أيام الأقراء . أما إذا انقضت مدة التربص فهي أحقّ بنفسها ولا تحلّ له إلّا بنكاح مستأنف بوليّ وشهود ومهر جديد . ولا خلاف في ذلك إِنْ أَرادُوا ، أي : بالرجعة إِصْلاحاً ، لما بينهم وبينهن ، وإحسانا إليهن ، ولم يريدوا مضارتهن . وإلّا فالرجعة محرمة لقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [ البقرة : 231 ] ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ،